الله يستر يا ولدي , أمريكا تحترق ..
الله أكبر , الله أكبر , تعال يما يا محمد و شوف المجاهدين شو عملوا , ضربوا أمريكا في دراها ..الله ينرصهم الله ينصرهم …
الله أكبر , الله أكبر , الله يلعن اليهود و الأمريكان , خليهم يذوقوا..
من أسرها.
كانت القنوات الفضائية تعرض صور التفجيرات مرات و مرات , و جعفر لا يمل منها ولا يشبع , لقد كان يشاهد التفجيرات و دموعه حبيسة في زنزانة عينيه , تماما كما هي عاطفة " حب الجهاد" الخجولة , التي كانت تجلس في خدرها في عالم ما وراء الشعور….
لقد كانت ردة فعل جعفر مختلفة عن بقية أفراد الأسرة , بالرغم أنها لم تعكس مظاهر الفرحة العفوية التي أظهرها البقية , فأثرها كان عميقا جدا في نفسية جعفر الذي أصبح بعد 11 أيلول (( عادي)) مع وقف التنفيذ .
لقد كان أثر 11 أيلول يشبه زلزالا قويا ضرب عمق المحيط , فسبب شقوقا و صدوعا غير ظاهرة للعيان ,
لقد تغير إتجاه عقارب الساعة , و تغيرت معالم القرن الجديد بسبب ما فعلته تلك الطائرات المدنية , التي أنجزت مالم تنجزه أعتى الطائرات العسكرية في عشرات السنين ,
من وراء هذا الحدث الجلل ؟من تجرأ و حطم الصنمين في منهاتن ؟
كيف أعلن عن بداية الحرب العالمية الرابعة ؟
كيف غير التاريخ بسكاكين بلاستيكية و 19 عشر رجل ؟
من اي مدرسة عسكرية تخرج ؟ ما هي رتبته ؟ أين هو جيشه ؟
لم تكن تلك أسئلة تجول في خاطر جعفر وحده , بل كان يشاطره ذلك كل سكان هذا الكوكب,
أمريكا بدأت بالصراخ:
(( قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ))
لقد كان أسامة بن لادن رضي الله عنه هو ذلك الفتى ,
لم يكترث جعفر بكل ما قاله الآخرون , لم يلتفت إلى الإشاعات المحلية و المستوردة التي سوقها الأعداء الأذكياء , و الأصدقاء الحمقى ..
للحظة , تمنى جعفر لو كان في إحدى تلك الطائرات , لينال شهادة في سبيل الله عز وجل , تضمن له السعادة الخالدة , و لأمة الإسلام الحياة الكريمة ,
تسارعت الأحداث… أمريكا تهاجم افغانستان , تؤزها شياطين الردة الجامحة من المسلمين (سابقا) , ويزول نظام طالبان- اعاده الله - , و تبدأ حملة أمريكا الجديدة على العراق , لقد كانت الأحداث أسرع من أن يلحق بها جعفر ,
لقد تغيرت كميائية تفكير جعفر تغيرا مهما , لكنها بقية عاجزة عن تحقيق الإنفجار المرتقب…
أعلن صدام حسين , الرئيس العراقي وقتها , عن استقبال وفود من المتطوعين العرب الراغبين بالدفاع عن العراق ,
ارتبك جعفر كثيرا و بدا عاجزا عن تقرير ما يجب فعله , فهو يحب الجهاد في سبيل الله , لكن ليس تحت راية صدام البعثية , مهما تمسحت بالإسلام , فهو يريد جهادا صافيا في سبيل الله , لينال أجره غير منقوص ..
هل أذهب ؟ هل أبقى ؟
هل أذهب و أنتظر سقوط نظام صدام لأجاهد الغزو الصليبي لأرض العراق الرشيد تحت راية المجاهدين ؟
لقد كانت هذه أسئلة تجول في منطقة " الباطن الشعوري " لدى جعفر , دون أن تحدث تغيرا على سلوك جعفر أوتأثيرا على مسار حياته الجامعية ,
لقد تقدم" حب الجهاد" لدى جعفر خطوة , و خرج من سجن "اللاشعور" , ليصبح في منطقة أقرب إلى الواقع … منطقة "الشعور الباطني ", دون أن تكون تلك العاطفة قادرة على تجاوزه ..
لقد بدأ الجهاد يشغل باله , ولم يعد ينتظر مؤثرات خارجية أو يحتاج لطاقة تنشيط حتى يشغل حيزا من تفكير جعفر …
إلى من يذهب ؟ من يسأل ؟ فليس السؤال عن الجهاد أيامنا يشابه السؤال عن أحكام الطهارة و الحيض و النفاس , ليس السؤال عن حكم نصرة المسلمين المستضعفين كالسؤال عن أحكام الزواج و الطلاق و الغناء …فقرر جعفر إستشارة الشيخ الفاضل " أبي محمود" إمام المسجد المجاور , الذي يكثر من الدعاء للمجاهدين في خطبه , دون أن يحدد من هم و في أي أرض هم , دعاء عام , يريح الداعي و المؤمن …و طواغيت البلاد و مخبريهم .
لم يكن جعفر من المواظبين على صلاة الجماعة , و كانت معرفته بالإمام لا تتجاوز لقاءهم وقت صلاة الجمعة , و بعض المرات التي يصاحب فيها جعفر والده إلى المسجد ,
ذهب جعفر إلى صلاة العصر و انتظر الإمام بعد الصلاة , رحب به
الشيخ أبو محمود و هش في وجهه وبش , مما شجع جعفر لطرح السؤال الذي لا يتناسب مع مظهره الخارجي "الموافق للموضة"…
قال جعفر : شيخنا هناك سؤال و أريد له جوابا …
الشيخ أبو محمود : تفضل يا جعفر , ما المشكلة ؟ ماذا تريد أن تسأل ؟
جعفر: هناك مسألة محيرة و أريد مساعدتك..
الشيخ : هل هو زواج أم خطوبة ؟ أم أن الله ابتلاك بالحب ؟
(وهنا أطلق الشيخ أبو محمود ضحكة عالية تجاوب معها جعفر بابتسامة صفراء قلقة )
قال جعفر : يا شيخ أريد أن أسأل عن حكم الذهاب للعراق للجهاد فيها ..
تغير وجه الشيخ أبي محمود و صبغ بصبغة جدية و قال :
عفوا يا ولدي , ومن وضع هذه الفكرة في عقلك ؟
جعفر : وهل فكرة الدفاع عن أمة الإسلام تحتاج لمن يضعها في عقلي ؟
الشيخ : لا طبعا يا ولدي , ولكن صدام حسين بعثي , و رايته راية جاهلية , و لا يجوز القتال تحتها ,
جعفر : يا شيخ , سيدخل الامريكان إلى بغداد , و عندها نقاتل ,
الشيخ أبو محمود : يا ولدي , ومن يضمن لك وجود راية مسلمة تقاتل تحتها بعد سقوط صدام ؟ الذهاب إلى العراق الآن يعد مخاطرة و مقامرة , و لقد حث الشيخ سلمان العودة و سفر الحوالي -وهم من علماء الجزيرة الصادعين بالحق - الشباب إلى عدم الذهاب إلى العراق الآن , لعدم توفر الراية ..
جعفر : إن لم نذهب , من سيرفع الراية الموحدة يا شيخ ؟
الشيخ أبو محمود : يا ولدي في أهل العراق الخير و البركة , ركز على تعليمك الآن , وعسى الله أن يقدر لنا الخير ..
جعفر : جزاك الله خيرا ..
لم يقتنع جعفر بما قاله الشيخ , ولكنه قبله , ربما لأن "حب الجهاد" في نفسه لم يكن كافيا لدفعه نحو الامام ,أو لأنه لا يدري تماما ما كان سيفعله لو قال له الشيخ : إذهب …
سقط نظام البعث في غضون 3 أسابيع , و تزايد عدد المجاهدين الذين يقاتلون العدو الصليبي ,
لكن جعفر نسي هذا الأمر , و عادت حياته إلى " عاديتها " , و تراجع " حب الجهاد " خطوة إلى الوراء , ولكنه بقي متمسكا بمنطقة الباطن الشعوري..
لقد كانت أفلام المجاهدين التي تعرضها قناة الجزيرة بين الحينة و الأخرى تذكر جعفر بما يجري هناك , و كان يبدي لها إهتماما متزايدا , حتى ذهب مرة يبحث عنها في الشبكة العنكبونية , بعد أن أصابته حالة تشبه " الإدمان النفسي " عليها ..
دخل جعفر الإنترنت , و كتب كلمة " أفلام جهادية " في صندوق البحث لقوقل , لتخرج أمامه عشرات الأفلام الجهادية من أرض الرافدين ,
لقد كان جعفر يجد فيها إشباعا لحب غير واقعي أو تقليدي بالنسبة لمجتمع " العاديين " ,
وفي إحدى المرات , قاده محرك قوقل لموقع منتدى الأنصار , ولم يتمكن من تحميل الفلم الذي أراده لأن المنتدى يشترط الإشتراك أولا …
سارع جعفر للمشاركة , ولكنه تحير كثيرا في إختيار المعرف , فهو غير معتاد على الإشتراك في المنتديات الجهادية , و كل معرفاته التي يستخدمها تليق بالمنتديات " العادية" التي يشارك فيها ولا تليق بعضو في منتدى الانصار الذي كان يسمع باسمه من قناة
الجزيرة كمصدر لبعض أفلام المجاهدين , قرر جعفر أن يختار اسم " خذوني للجهاد " ليكون معرفه في منتدى الأنصار ,
لم يدر جعفر أن الفلم الذي اراد أن يحمله هذه المرة هو فلم " أسد الثغور" لجماعة التوحيد و الجهاد , وأن مدة الفلم هي 50 دقيقة , فقرر مشاهدة الفلم في اليوم التالي… و غادر إلى فراشه ,
في اليوم التالي وبعد أن عاد من جامعته , حيث يدرس علم الهندسة الميكانكية في السنة الثالثة , تناول غداءه و تمدد ليشاهد فلم أبي أنس الشامي " أسد الثغور" عبر شاشة الحاسوب ,
لكنه سرعان ما استوى و اعتدل في جلسته بعد أن سمع صوت الشيخ أسامة بن لادن رضي الله عنه , يردد قوله صلى الله عليه وسلم :
قيام ساعة في الصف خير من عبادة ستين سنة ,
, لم يكن الفلم عاديا أبدا ,بالنسبة لشخص عادي..
مجاهدين عظام .. عمر حديد , أبو عزام ,و أبو أنس الشامي , يتحدثون عن يوميات الجهاد في سبيل الله ,
تأثر جعفر حين رأى ابن مدينته , الشيخ أبا أنس الشامي و هو يروي حديث عمير بن الحمام الأنصاري حين قال: يا رسول الله! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخ بخ. فقال رسول الله : ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها.. فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه. إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل..
يكاد يكون هذا الحديث الوحيد الذي روي عن عمير بن الحمام رضي الله عنه , لكنه كان كافيا ليدفع أبا أنس الشامي ليغزو حصن أبي غريب , حيث هتك عرض المسلمات , و ذاق المستضعفين ألوان العذاب ,
تزلزل جعفر بما رأى ,
و كأن عهد الصحابة الأوائل قد عاد على يد فتية التوحيد و الجهاد , فهناك يرمي عمير بن الحمام التمرات و هنا يرميها أبو أنس الشامي رحمه الله , فمضى أبو أنس إلى حيث مضى عميربن الحمام الانصاري ,
لقد كانت دموع جعفر تنهمل دون تكلف أو توقف ,
" نعم..
نعم…
هذه هي ضالتي …
هذا ما ابحث عنه ,
هذه هي جنة الجهاد التي أدخلها في الأرض قبل أن أنال جزاءها في السماء "
مازالت دموع جعفر تخدد خديه , و قلبه يشهد هزات إرتدادية , حين كان يشاهد الفلم للمرة الثانية دون ملل أو كلل …
لقد كان صوت أبي مصعب الزرقاوي وهو يقول "ما بالكم يا أمة الإسلام يبلغ أحدكم الثلاثين من عمره .. أو الأربعين أو الخمسين , لا يكلف نفسه رباط ليلة في سبيل الله " يستفز قلبه قبل عيناه , و يثير أوجاعا و اشجانا و أهدابا ..
ذهب جعفر و اغتسل و استغفر ربه , و صلى لله ركعتي توبة عن معاصيه , و عاهد الله على الجهاد في سبيل الله ,
لقد كانت ألذ ركعتين صلاها جعفر في حياته … وكانت سجدته أطول سجدة سجدها , لقد كان يومه يوم ميلاد جديد , و إشراقة صبح عيد …
أكمل جعفر صلوات اليوم في المسجد خلف الشيخ " أبي محمود" , و قبل وقت الفجر , استيقظ ليصلي قيام الليل , ثم توسط السطر الأول في المسجد , و صلى صلاة الفجر كصلاة مودع , و عاد إلى منزله يقرأ القرآن , و في الصباح الباكر ,خرج من منزله ليستقل حافلة توصله إلى جامعته ,
لقد كان جسده في الأرض , و روحه في السماء … و كانت نظارته الشمسية تخفي خلفها عينين باكيتين حالمتين بالجهاد في سبيل الله ,
لقد أثار تدافع الطلاب على أبواب الحافلة ابتسامة ساخرة من جعفر , الذي أصبح "غير عادي" في مجتمع العاديين , حيث يكون حب الدنيا و عبادتها و التقاتل من اجلها هو" العادية ", و حب الجهاد في سبيل الله و القتال لإعلاء كلمته هو "الشذوذ" عن تلك العادية ,
لقد شعر جعفر و كأنه ضيفا على هذه الدنيا لا ينوي أن يجاوز الثلاثة , أو مسافرا حط في إستراحة ,
كان ينظر إلى الناس في الحافلة , نظرة شفقة لحالهم و رأفة , فهم يتدافعون من أجل الوصول إلى الجامعة في الموعد , و لم يتدافع أحد منهم للوصول إلى الفردوس الأعلى !!
"مساكين يا أيها الجارين وراء السراب , مساكين يا أيها المتدافعين على أبواب الحافلات و الوظائف , مساكين يا أيها المصطفين أمام عتبات السلاطين "المقدسة" ,
مساكين يا أيها العاديين ,
مساكين يا أيها الغافلين ,
مساكين يا زاهدين برضى الله وجناته ,
أتضحكون ؟ و والله وكأني أرى فوق رأس كل منكم تاريخ ولادته و وفاته , فعلمتم