هل ينفجر محور دمشق – طهران؟
بعد اتصال هاتفي على الخط الساخن بين الرئيس الايراني احمدي نجاد والرئيس السوري بشار الاسد حول تصريحات الاخير التي رددتها وسائل اعلامه، وتعليقاتها التي حملت اتهامات سورية الى الولايات المتحدة بإجهاض تسوية تريدها اسرائيل مع سوريا، اتفق الرئيسان على ارسال مبعوث ايراني الى دمشق لينقل الهواجس الايرانية من نوايا نظام الاسد تجاه الصلح مع اسرائيل.
حمل المبعوث الايراني السري رسالة للأسد فيها من الحيرة الايرانية اكثر مما فيها من توكيد التحالف بين النظامين.. وقال المبعوث الايراني ما يفيد قلق طهران من معلومات شبه مؤكدة عند النظام الفارسي بأن حوارات عديدة بين مبعوثين سوريين سريين وصهيونيين تجري وجرت في جنيف وعواصم غربية اخرى، بعيدة عن أنظار الولايات المتحدة الاميركية، ودون معرفتها وان هذه الحوارات تتناول مطالب المتحاورين السوريين والاسرائيليين حول هضبة الجولان وحماية النظام السوري وعودة وصايته الى لبنان وكان اخطر ما اقلق ايران ان شخصيات سعودية رسمية تؤدي دوراً في ترتيب هذه الحوارات.. حسب مزاعم طهران!
وتشمل من جانب اسرائيل مطالبها بتصفية حزب الله، ومنع ايصال السلاح الايراني له كما الاموال وبقية المساعدات، وكذلك طرد قادة ((حماس)) في الخارج وبقية رؤساء المنظمات الفلسطينية من دمشق، ومنع ارسال عناصر القاعدة الى لبنان والضفة الغربية المحتلة.. دون نسيان المسائل العاجلة مثل اطلاق سراح الجنديين الصهيونيين اللذين اسرهما حزب الله في 12/7/2006 وكذلك معرفة مصير الطيار الصهيوني رون اراد.. لا بل ان طهران اكدت لدمشق معلوماتها عن اصرار تل ابيب على استعادة اسراها من حزب الله كدليل حسن نية من جانب سوريا لبدء حوار جدي حول التسوية معها.
قال المبعوث الايراني السري لبشار الاسد.. ان بلاده تريد ان تعرف مصير التحالف الاستراتيجي المعقود بينها وبين دمشق، وتريد ان تعرف مصير الاسلحة الاستراتيجية التي نقلتها طهران الى الاراضي السورية، ومصير آلاف عناصر وضباط الحرس الثوري الذين يشرفون على هذه الاسلحة وعلى بطاريات الصواريخ الباليستية والمضادة للطيران ايضاً والبعيدة المدى التي اقامتها ايران داخل الاراضي السورية، حول المرافق السورية الاساسية في المطارات والمرافق والمصافي وتلك القريبة من المدن الصهيونية وفي عمق الاراضي السورية حتى حلب..
قال المبعوث الايراني للأسد الابن ان طهران قلقة مما تتداوله وسائل الاعلام عن مطالب صهيونية بتصفية حزب الله في لبنان مقابل موافقة اسرائيل على عودة القوات السورية الى لبنان واستخباراتها وقبول انتشار الجيش السوري عند حدود نهر الليطاني وسماح اسرائيل بانتشار عناصر الاستخبارات السورية داخل المنطقة الممتدة من الخط الازرق حتى خط نهر الليطاني.. وعن حتمية تعاون دمشق مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، والتخلي عن اميل لحود وكل أتباع ايران المستجدين على الساحة اللبنانية.
كان المبعوث الايراني ينتظر نفياً من اعلى سلطة في سوريا عن كل المعلومات، وينتظر تفسيراً لهذه الهجمة السياسية والاعلامية والدبلوماسية السورية للصلح مع اسرائيل، وهذه الحملة على اميركا لمنعها اسرائيل من تحقيق التسوية مع سوريا!.. وكان ينتظر تبريراً من الاسد لما تعتبره ايران تغييراً استراتيجياً في الموقف السوري من التسوية، خاصة بعد ان عقد البلدان تحالفاً استراتيجياً كان يعني ان دمشق حسمت خيارها برفض اية تسوية مع اسرائيل، بل وفتح جبهتها للقتال ضدها عبر الجولان مثلما كانت جبهة الجنوب اللبناني.
كان المبعوث الايراني ينتظر النفي والتفسير والتبرير مثلما توقعته بلاده تماماً.. وهو هيأ نفسه للاستماع اليها جميعاً، لأنه مثل غيره من كل مبعوثي ورؤساء وملوك ومسؤولي دول العالم الذين التقاهم بشار الاسد خلال ست سنوات من حكمه كانوا اعتادوا الا يثقوا بما يقوله الاسد في الغرف المغلقة.. حتى بات الرجل مشكلة سياسية وأخلاقية في حد ذاته.
وماذا تملك طهران الا قبول تفسير ونفي وتبرير الاسد للمعلومات المتداولة حول التسوية مع اسرائيل.. وهي تدرك ان استجداء الاسد العلني للتسوية مع ايهود اولمرت وتكالب الاعلام والدبلوماسية السورية على الموقف الاميركي المعارض لهذه التسوية بصفته المانع عنها هو الموقف السوري الحقيقي؟
ماذا تملك طهران؟
يخطىء من يظن ان طهران ضعيفة تجاه سوريا، او ضعيفة داخلها، بعد ان اصبحت الحالة الايرانية امراً واقعاً داخل النظام السوري وأجهزته الامنية.. وكذلك داخل الاقتصاد السوري ومؤسساته المالية، وكذلك داخل المجتمع السوري وقواه الطائفية.. فسوريا لم تشهد في تاريخها الحديث تدفقاً للمال بلا حساب ((علني على الاقل)) مثلما تشهده من تدفق بلا حدود للمال الايراني عليها.
وطهران تعرف نقطة ضعف هذا النظام تجاه المال المعبود الوحيد لدى اركانه.. مع السلطة.. وبها.
فإلى جانب آلاف عناصر الحرس الثوري وضباطه واستخباراته وضباط الجيش المحترفين والاسلحة الايرانية المكدسة.. هناك مليارات الدولارات التي جمدتها ايران داخل المصرف المركزي في دمشق، وعمليات شراء الاراضي، وإقامة المؤسسات سواء حول المراكز الدينية القائمة او المستحدثة او المراكز الاجتماعية في مختلف انحاء سوريا دعماً ونتيجة لعمليات التشييع التي تصرف عليها طهران مئات ملايين الدولارات.. وباتت سوريا ومدنها واحة للسياحة الدينية الايرانية وهي احدى وسائل النفوذ الايراني في البلاد العربية.. كالعراق مثلاً.
هل هذا يعني ان الصدام حتمي او قريب بين دمشق وطهران؟ ليس بهذه السرعة.. ولن يكون شاملاً، خاصة وان المانع الاول من حصول انفجار في المحور السوري – الايراني الآن هو سياسة الرئيس الاميركي جورج بوش.. فضلاً عن التناقض في المواقف بين اميركا في عهد بوش وبين الكيان الصهيوني.
صحيح ان بوش اعلن ان نظام بشار الاسد هو نظام فاشل منذ العام 2004، وطبق عليه ما طبقه على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حين رفض أي حوار معه الى ان دست له الاستخبارات الصهيونية مساحيق السم من خلال الطعام والملامسة والملابس.. لتتخلص منه.. الا ان الفرق بين بشار الاسد وياسر عرفات هو ان اسرائيل فقدت الثقة تماماً بالزعيم الفلسطيني الشهيد.. لكنها ما زالت تعتبر ان بشار الاسد ونظامه هو حاجة استراتيجية للأمن الصهيوني..
وعند هذه القناعة يقف بوش ليلتزم الموقف الصهيوني.. بل ويذهب الى مدى ابعد من ذلك في الالتزام بما تريده اسرائيل بحماية نظام بشار الضعيف والمعزول.. حتى عندما ارادت واشنطن معاقبة بشار على دعمه لتنظيم ((القاعدة)) في العراق ضد القوات الاميركية، وأعطى اوامره لضرب بعض المواقع العسكرية والاقتصادية حول دمشق منعته اسرائيل خوفاً من سقوط نظام الاسد الذي تريده مستمراً في هدنة طويلة معها حتى لا تسقط سوريا تحت حكم قوى التغيير الاسلامية والقومية المعادية جذرياً لاسرائيل، والتي ستفتح معها جبهات القتال المقفلة من عائلة الاسد منذ العام 1974.
ومن مفارقات العلاقات الاميركية – الصهيونية، ان اسرائيل هي التي تمنع اميركا من اسقاط نظام الاسد كما أُسقط النظام العراقي تحت الاحتلال عام 2003، لحاجة اسرائيلية الى النظام السوري، بينما تمنع الولايات المتحدة اسرائيل - حتى الآن – من تدمير المنشآت النووية الايرانية، خوفاً من رد فعل ايراني ضد المصالح والقوات الاميركية في العراق وقطر وبقية دول الخليج العربي، حيث منشآت النفط ومصافيه والاستثمارات الاميركية الواسعة في المنطقة.
لماذا تريد اميركا اسقاط النظام السوري؟
انها العقيدة نفسها التي اعتنقها جورج بوش تجاه ياسر عرفات وصدام حسين، يحاول تنفيذها ضد بشار الاسد.
نجح بوش في فلسطين والعراق، لأن اسرائيل تريد التخلص من ياسر عرفات بعد ان اطلق العنان لكل العمليات العسكرية ضد اسرائيل بعد ان الزمته حركة ((حماس)) باعتماد العنف رداً على عدوان اسرائيل الذي كان يقاومه بالانتفاضة الشعبية السلمية.. تقليداً للانتفاضة الاولى التي اعادته الى فلسطين وتشكيل سلطة فلسطينية على جزء من ارض فلسطين.. لكن مزايدات ((حماس)) قتلت عرفات وأعادت احتلال غزة وقوضت السلطة الفلسطينية وسببت عطفاً عالمياً على اسرائيل وتخلياً مقابلاً عن عدالة القضية الفلسطينية.
واسرائيل ايضاً ارادت التخلص من صدام حسين لأنه نجح في بناء قوة عسكرية – اقتصادية – علمية حقيقية ضد العدو الصهيوني، وهو الحاكم العربي الوحيد الذي اطلق صواريخه ضد المدن الفلسطينية المحتلة خلال حرب تحرير الكويت عام 1991.
واسرائيل تخشى قوة العراق الاستراتيجية خاصة وان هذا البلد البعيد عن حدود فلسطين شارك في كل الحروب العربية – الصهيونية وما زال في حالة حرب معها وقد خرج من حربه مع ايران التي استمرت ثماني سنوات كأول جيش يخوض حرباً هي الاطول في القرن العشرين في كل الجبهات وكل الاسلحة براً وبحراً وجواً، وهو بات - سابقاً - على ابواب تصنيع قنبلة ذرية دمرت اسرائيل منشآتها في عدوان شهر حزيران/يونيو عام 1981.. خلال انشغال العراق في حربه مع ايران.
لأن اسرائيل تريد التخلص من عرفات وصدام تخلص بوش منهما، ولأن اسرائيل تريد المحافظة على بقاء بشار في السلطة هو ونظامه.. فإن بوش تحول من اسقاطه الى الدعوة لتحسين سلوكه.. مع المحافظة على بقائه.
لكن هذا لم يمنع بوش من رفض أي محاولة للتسوية مع هذا النظام الى ان يحسن سلوكه ويستجيب للمطالب الاميركية التي حملها وزير خارجية اميركا السابق كولن باول الى الاسد الابن خريف العام 2003 أي بعد احتلال العراق بعدة اشهر، وهي مطالب حول لبنان وفلسطين والعراق وسوريا نفسها عسكرياً وشعبياً واقتصادياً.
هذه هي مشكلة بوش مع بشار الاسد.. بل هذه هي مشكلة الدول العربية التي تقدمت وتطوعت لتحسين سلوك نظام بشار الاسد، ووافقت اميركا على اعطائها الفرصة لذلك، وهذه هي مشكلة مصر والمملكة العربية السعودية اللتين تطوع مسؤولوهما للتدخل مع بشار لتحسين سلوك نظامه في لبنان وفلسطين والعراق، وكان يعطيهما الوعود تلو الأخرى ولا ينفذ منها أي شيء.. بل انه كان يعد بتسهيل حوار القوى الفلسطينية داخل الأرض المحتلة.. ثم يساعد بتفجير الأوضاع بينها، وكان يعد بتسهيل الحوار بين اللبنانيين، ثم يحرض بعضهم على الفتنة المذهبية والطائفية والعودة إلى الحرب الأهلية.. ويعطيهما الوعود بوقف تبعيته للنظام الفارسي في إيران.. ثم يفتح سوريا أمام أوسع حركة تفريس وتشييع وتواجد لقوات فارسية في مختلف أنحاء سوريا.. حتى نفضت السعودية ومصر أيديهما من التعامل مع بشار الأسد مبلّغين اللبنانيين والفلسطينيين وكل قوى العالم ان أحداً لم يعد يثق ببشار الأسد.. وانكم أمام حالة خاصة غير معهودة في العمل السياسي والتعامل الأخلاقي بين الرؤساء وبين الدول.
ومع هذا
فإن الرئيس المصري حسني مبارك ما زال حريصاً على عقد تسوية بين إسرائيل وسوريا، مثل التسوية التي عقدتها مصر مع إسرائيل واستعادت بها سيناء عام 1982.. وما زالت تحرص على فتح حوار أميركي مع دمشق حول هذه المسألة.. وقد لوحظ مؤخراً ان الرئيس المصري انتقد الولايات المتحدة لأنها تمنع إسرائيل من عقد تسوية مع سوريا.
ماذا إذا انعقدت هذه التسوية؟
ثلاث مسائل أساسية تريدها سوريا من هذه التسوية وان بدرجات أو بحماس متفاوت:
1- نظام الأسد يريد أولاً تعهداً من إسرائيل وأميركا بالمحافظة عليه وإبقائه وعدم تهديده، وقطع صلات أميركا مع القوى المعارضة.. بل ودعم النظام في محاربته لهذه القوى ووقف كل ضغط سياسي أو إعلامي أو حقوقي عليه لتحسين تعامله مع الشعب السوري وقوى المجتمع المدني والمستقلين والقوى الوطنية الداعية إلى احترام حقوق الإنسان ورفع الأحكام العرفية وحالة الطوارىء المفروضة على الشعب السوري منذ 43 سنة.
2- وعلى المستوى نفسه يريد نظام بشار الأسد استعادة الوصاية على لبنان، الذي يشكل له دجاجة تبيض ذهباً، والتي كانت تدر مليارات الدولارات على نظامه ومسؤوليه خاصة استخباراته، التي كانت تمول من عرق وتعب ومصالح اللبنانيين.
3- استعادة مرتفعات الجولان ونشر قوات دولية فاعلة بين سوريا وفلسطين المحتلة في القسم الأعظم من الجولان عند استعادته.
وإذا كان بشار يقيم تلازماً بين بقاء نظامه وعودته إلى احتلال لبنان، فإنه يعتبر ان استعادة الجولان مسألة معنوية يمكن تأجيلها لأن عودة الجولان الآن تفرض على النظام استحقاقات لا يستطيعها سياسياً وشعبياً واقتصادياً فضلاً عن طموحه لاستمرار علاقته مع إيران التي باتت مرجعيته المالية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فاستعادة الجولان تعني صلحاً وعلاقات دبلوماسية وسفارة صهيونية في دمشق وهذا يستفز طهران فتتراجع العلاقات معها ويخسر النظام كل دعم إيراني يبقيه الآن على قيد الحياة..
وإسرائيل؟
تريد إسرائيل من النظام السوري في أية تسوية معه ثلاث مسائل أيضاً:
1- وقف دعم حزب الله في لبنان ومنع تمرير الأسلحة الإيرانية والمساعدات الكثيفة له عبر أراضيها.
2- وقف دعم حركة ((حماس)) والمنظمات الفلسطينية التي تعتمد دمشق مقراً لها.
3- منع إرسال عناصر القاعدة إلى لبنان وفلسطين المحتلة أما الأسيران العسكريان والطيار رون أراد وغيرهم فإن هذه مسائل شكلية ستحل ضمن الصفقة المقترحة..
وهذا ما يهدد بتفجير المحور السوري – الإيراني.
لماذا؟ وكيف؟ وأين؟
لأن إيران استتبعت النظام السوري لاستخدامه في مشروعها في حماية ملفها النووي، وامتدادها وتوسعها الإقليمي من العراق إلى لبنان عبر سوريا وفلسطين، فإذا ما حاول النظام السوري التفلت من تبعيته للنظام الفارسي، فإن هذا سيكلفه الكثير مثلما يكلف نظام دمشق أيضاً.. وأولى الخسائر الإيرانية ستكون بكسر الجسر الذي يمثله نظام دمشق نحو العبور الفارسي إلى لبنان وفلسطين.
ثم ان إيران التي دفعت أكثر من 20 مليار دولار كي يكون حزب الله على هذه القوة والمكانة في لبنان غير مستعدة لخسارة كل هذا في إدارة الأسد الابن ظهره لها وإمساكه برقبة حزب الله.. وتصفيته أو على الأقل تحجيمه ومنعه من أداء دوره خدمة للاستراتيجية الإيرانية.
ولأن إيران ((استذوقت)) إمساكها بجزء مهم من الورقة الفلسطينية، فإنها لا تتحمل ان تخسر هذا الجزء المقيم سياسياً وميدانياً داخل دمشق، بسوء علاقتها معها.
فجزء مهم من شرعية النظام الإيراني الحالي هو هذه التغطية ((الثورية الإسلامية)) التي يمثلها موقع حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، والترويج السياسي له داخل إيران وجمهورها المتحمس للاثنين معاً.
كل هذا سيسقط عندما تعقد تسوية ما بين نظام الأسد والعدو الصهيوني، فشروطها البديهية يعرفها بشار الأسد مثلما يعرفها أحمدي نجاد.. واتباع الاثنين في لبنان وفلسطين.. والعراق ذلك ان أي تسوية بين سوريا وإسرائيل تعني انفجاراً في العلاقات بين دمشق وطهران.. خاصة وان التناقضات بينهما مخبأة تحت غطاء رقيق جداً.
لبنان والعراق
ما من ساحة تظهر التناقض بين دمشق وطهران مثل الساحة العراقية.. وما من ساحة تظهر تناقض مواقف إيران وحزب الله التابع لها مثل ساحة العراق، وما من ساحة تمسك بها إيران للمقايضة بها مع الأميركان مثل ساحة العراق.
سوريا تدعم كل تحرك ضد أميركا في العراق وتعتمد المفارقة التالية: هي لا تريد انتصار المقاومة.. ولا تريد انتصار الأميركان، لأن انتصار الأول يعني تعميم التجربة على المنطقة كلها، وخلق مخاطر حقيقية على نظام الأسد. أما انتصار بوش فهذا يعني إسقاط نظام الأسد في اليوم التالي.. كل ما تريده سوريا من العراق هو أن تلتفت إليها واشنطن لإعطائها الوصاية من جديد على لبنان مقابل أن توقف دعمها للمقاومة في العراق.
ودعم سوريا للمقاومة في العراق يظهر في اتجاهين:
الاتجاه الأول: هو قوى حزب البعث والمتحالفون معه حيث تقيم قيادات عديدة من الحزب في دمشق حملت معها مليارات الدولارات يستنـزف النظام السوري جزءاً مهماً منها كالعادة.
الاتجاه الثاني: هو الجماعات السلفية المتطرفة التي تذيق الجمهور العراقي العربي على المذهب الشيعي كأس الموت في العمليات الانتحارية التي تستهدف تجمعات المدنيين منهم في المدن العراقية المختلفة خاصة في الوسط والجنوب.
وفي هذين الاتجاهين يظهر التناقض الحتمي بين نظامي الأسد ومعلمه في طهران.
أما بالنسبة إلى حزب الله، فهو يدعي مواجهة أميركا وإسرائيل في لبنان، والاثنان أميركا وإسرائيل هما حلفاء حلفائه الجذريين في العراق أمثال عبد العزيز الحكيم ومقتدى الصدر ونوري المالكي والعصابات والميليشيات التي تزرع الموت والدمار داخل العراق.
وتناقض آخر يعيشه حزب الله دون خجل أو وجل، وهو تحالفه مع النظام السوري ودفاعه عنه والاستعداد لتخريب لبنان ومصالح شعبه من أجله، وهو الذي يساند القاعدة المعادية لجمهور حزب الله في لبنان، والتي تكفر الشيعة في العراق.
نعم كل تسوية بين نظام بشار الأسد وإسرائيل ستفرض على النظام السوري شروطاً ليس أقلها تصفية ((حزب الله)) في لبنان و((حماس)) في فلسطين وسوريا، بل ودعم أميركا في العراق.. وهذه المرة ضد إيران كما ضد المقاومة و((القاعدة)).
فماذا يكون موقف حزب الله؟ ماذا يكون موقف إيران؟ خاصة وان ثمن هذه التصفية سيكون عودة الوصاية السورية على لبنان.. فهل يدافع حزب الله عن عودة نظام بشار الأسد إلى لبنان للإمساك بخناقه وتصفيته؟
أم ان حزب الله يعتمد على الرفض العربي والأميركي لعودة نظام الوصاية السورية على لبنان لينجو برقبته من الذبح في المسلخ السوري.. فيجد نفسه بالمصلحة والتقاطع مع المحور العربي – الأميركي لصالح لبنان.. بدل أن يدفع رأسه ثمن تفجير المحور السوري – الإيراني؟
خلاصة القول
إسرائيل تريد عودة سوريا إلى لبنان للإمساك بحزب الله، وأميركا تريد تصفية حزب الله سياسياً دون عودة نظام الأسد إلى وصايته الكريهة على لبنان وكذلك البلاد العربية. وإيران تريد بقاء بشار الأسد خارج لبنان ليسهل استتباعها له، حيث ان خروج الأسد من لبنان سهل على إيران استتباع هذا النظام وتريد المحافظة على حزب الله لأنه يجعل حدودها على حدود فلسطين فتقوي شروطها مع أميركا حول ملفها النووي. أميركا تريد إسقاط الأسد، وإسرائيل ترفض لأنه حليفها الاستراتيجي، وأميركا تراجعت خوفاً من بديل قومي وطني وإسلامي يهدد من جديد مصالح أميركا وإسرائيل، والبلاد العربية تريد تحسين سلوك الأسد وعقد تسوية إسرائيلية معه مع عدم السماح له بالعودة إلى لبنان.
لعبة الكلمات المتقاطعة هذه تعقدت أمام كلمة كبيرة مبعثرة.. والذي يجد تركيباً واضحاً لهذه الكلمة سيجد حلاً لمسابقة الكلمات المتقاطعة كلها.. انها كلمة لاثقة التي يتفق حولها جميع من تعامل مع بشار الأسد.. والساذج وحده من يلدغ من الجحر.. عدة مرات.
كتبها عمر لبيب في 07:21 صباحاً ::
الصراع السني الشيعي.. لماذا الآن؟
2003/02/04 د/ أماني أبو الفضل **
تطالعنا الصحف بأخبار حزينة بين وقت وآخر على شاكلة وقوع انفجار في مسجد شيعي يغص بالآلاف في صلاة الجمعة في إقليم بوسط باكستان، سبقه هجوم على بعض المدارس الجعفرية في باكستان، تلاه مصادمات وضحايا! وسبق ذلك هجوم على حسينيات الكويت وهلم جرا. والأدهى من هذه الهجمات المسلحة هجمات أخرى بالكتب والمطبوعات والفضائيات ورسائل الإنترنت البذيئة المتبادلة بين الطرفين في شتم وإهانة أئمة المذهبين السني والشيعي.. بهدف تشويه صورة كل منهما لدى الآخر وتحطيمها تمامًا.
وهم المؤامرة الخارجية
إن الأسئلة الساذجة مثل: مَن وراء هذا المخطط؟ ومَن المستفيد منه؟ ولماذا تحدث هذه الهجمات الآن تحديدا؟.. أسئلة لا يعجز الطفل عن الإجابة عليها، ولن نضيع وقت القارئ في مناقشتها، ولكن المطروح هنا هو مدى مسئوليتنا كأبناء للمذهبين عن تنفيذ هذا المخطط، والاشتراك في هذه الحرب الفاضحة، وما تلاها من تمزيق للأمة.
فالمؤامرة الخارجية ثابتة، لكن القول بمسؤوليتها وهم كبير؛ لأن شرف التنفيذ هو دائمًا لنا وبإخلاص شديد؛ طمعًا في الجنة من طريق رسمه لنا العدو وببراعة؛ فلماذا يورط العدو نفسه ببث عملائه في موقع الجريمة إذا كنا نحن دائمًا على أتم جهازية لتنفيذ مخططه مجانًا وبدرجة من الإتقان لا تصل إليها إلا عقلياتنا الفريدة من نوعها؟ فيكفى إذا أراد العدو أن يحطم حركة إسلامية بدأت في إظهار بوادر النجاح والقبول والانتشار بين المجتمعات الإسلامية.. أن يهمس في أذن الحركات أو المذاهب المختلفة عنها؛ إما باستدعاء حادثة تاريخية مرّ عليها 14 قرنًا من الزمان وإما باستنفار الحشود ضد فتوى فقهية صدرت من أحد الجانبين... إلخ.
وما إن يهمس العدو بها حتى تنتشر انتشار النار في الهشيم، ويحتشد الخطباء فوق المنابر لنشر الفتن بإخلاص شديد ورغبة حقيقية في خدمة الإسلام! والمعلوم أنه كلما أمعن الإمام في تضخيم الأنا لدى أتباع مذهبه على حساب تسفيه الآخر، وكلما نجح في أن يفتش في ذاكرة التاريخ بحثًا عن تأصيل شرعي ومبرر فقهي لم يصل إليه غيره لتكفير الآخر.. زاد عدد مريديه، وزادت مبيعاته في سوق الكاسيت الإسلامي الأعلى مبيعًا في عالم التجارة.
وإذا كانت جماهير المذهبين الكبيرين تبدي هذه الخفة والسطحية في التعامل مع الخارجي الذي يستثيرها؛ فتتخبط في كل اتجاه دون وعي أو فقه لأولويات المرحلة الحرجة التي نمر بها.. فلماذا لا يصبح هذا السلاح المضمون هو السلاح الأثير لدى العدو لضرب الإسلام بطريقة آمنة تتكرر على مر العصور، ولا نستوعبها أبدا حتى بعد أن ذقنا مرارتها عشرات المرات.
من يستعرض تاريخ المسلمين يجد أنهم لم ينهزموا عسكريًا بقدر ما انهزموا بسلاح "فرِّق تسُد". وما أسهل على عدونا على مدار التاريخ أن يستزرع جماعات للقيام بمهمة التمزيق التي تفرض علينا؛ فنستسلم لها على أنها أقدار محتومة للأمة، والقدر منها براء. وها نحن اليوم نستقبل هذه الجماعات عبر الفضائيات في "تآمر صريح بعد التراويح" لفتح الملف المذهبي السني الشيعي الذي يُفتح عند الطلب! وها هو يفتح اليوم كجزء من مخطط ما بعد سبتمبر لإقصاء الوجود الإسلامي من على خريطة العالم بأيدي أبنائه! وقد أتوا لهذا الغرض بعتاة المناظرين من الطرفين ممن يحترفون هذا النوع من النشاط الذي يضمن لهم دخلا أفضل، علاوة على الشهرة ومتعة الاستضافة المريحة بين البلدان.
محاولات الخروج.. لماذا الفشل؟
هناك من أدماهم هذا التمزق وانحطاط صورة المسلمين في الآونة الأخيرة، وبدءوا في التخطيط لرد الفعل المناسب (الإستراتيجية الإسلامية دائمًا تقوم على ردود الأفعال، وليس على المبادرات) من طريقين:
1- من المثقفين غير الرسميين الذين أنشئوا عددًا لا حصر لـه من مراكز ومؤسسات الحوار الحضاري.. حتى يخيل إليّ أنه أصبح في كل بناية مركز من هذا النوع؛ إما للحوار الإسلامي المسيحي، أو للحوار السني الشيعي… إلخ، ولكن بتقويم عمل هذه المراكز نجد أنها جهود فردية من أصحابها، أنشئت في عجالة ولم تقدم تصورًا واضحًا أو حلولا لمشاكل؛ لأنها أنشئت كرد فعل عاطفي يفتقر للتخطيط وتحديد الإستراتيجيات؛ فباتت مراكز حوار الحضارات هذه أشبه ببرامج الدردشة ((hatting التي يستخدمها المراهقون على الإنترنت لاستكشاف أصدقاء بعيدين؛ فهي لا تعبر إلا عن رؤاهم الخاصة، وكلها لا تخرج عن فلك تفنيد آية التصدق بالخاتم، أو عمل الجرح والتعديل لحديث الثقلين، أو إثبات اضطرابات المتن في واقعة غدير خم… وغيرها من القضايا التي لم ولن تُحسم أبدًا، وغالبًا ما ينتصر فيها خطاب صاحب المنبر من أي من الطرفين.
إن إثارة مثل هذه القضايا التاريخية أو القضايا الفلسفية التي تم إحياؤها بعد كل هذه القرون كقضية إثبات صفات الله ورؤيته، والتجسيم، ومنزلة العصاة ومرتكبي الكبائر وغيرها.. من مظاهر الترف العقلي التي كان الواقع الإسلامي العملاق في القرون الأولى يسمح بها بل ويجدها ضرورة -لا يتحملها الآن واقعنا المفزع.
إن مثل هذه المراكز لا يصل خطابها النخبوي المعقد غير المفهوم -الذي أصبح الآن من لوازم المثقف العربي- لجمهور العوام المستهدف الذي هو مصدر القلاقل والإشكال. ولعل أقدم مركز لحوار المذهبين هذا الذي أنشئ تحت اسم "لجنة التقريب بين المذاهب"، وهى تعمل بإخلاص منذ أكثر من 50 عامًا، ولكن خطابها مثله مثل الخطاب السابق في أنه لا يصل إلى الجمهور؛ لرسميته وامتلائه بالمجاملات؛ حيث يستحيي من وضع يده على موطن الجرح.
2-أما الطريقة الثانية لرد الفعل فكانت على المستوى السياسي؛ حيث بدأ المسئولون السياسيون لدول المذهبين سواء إيران أو السعودية أو مصر أو الخليج في تبادل الزيارات لكسر هذا التوتر المذهبي، وهي خطوة لا بأس بها، إلا أنها تشترك في نفس علة الفشل السابقة، وهي عدم توجهها بالخطاب إلى العامة.
من خلال رأيي المتواضع أستطيع أن أقول: إن كل الاختلافات الآنية -وليست الماضية؛ لأن للماضية مباحث أخرى تتناولها- بين المذهبين الكبيرين هي اختلافات مرجعها خصيصتان ثقافيتان تتفرد بهما أمتنا بين العالمين:
1-هذه المنهجية في التعامل مع النص التي تقترب من كل نص "قديم" من المذهبين ينتمي للقرون الأولى على أنه مقدس لا تجوز فيه المراجعة. إن فهمنا للنص المقدس يجب أن يكون كتاب الله "الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، وسنة نبيه من منطلق "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى".
أما عن الجانب الشيعي فيضاف ما يتخذه الشيعة من آثار الأئمة الاثني عشر. ولكن ما عدا هؤلاء: ما بال القرون الأولى؟ وما الحجة في الحاكمية المطلقة لنصوصها علينا دون أن نردها لسياقها التاريخي، وإمكانية تسلل الخطأ إلى بعض فكرها؛ حيث إنها نتاج فكر إنساني؟
هناك إشكالية ضخمة في منهاج قراءة النص؛ فكله يُقرأ على أنه من المحكم أو قطعي الدلالة، ودلالته هي ما يراها القارئ من نافذة زمانه ومكانه، وأي دلالة أخرى هي إذن باطلة كما لو كان ليس هناك زمان ولا مكان إلا الذي يخصه. ولا أدري من يملكون هذا المنهج أين يضعون النص المتشابه -الذي هو مناط التعددية في القراءة- على خريطة منهجهم؟ وتعدد القراءات للنص المتشابه هو إثبات لعبقرية النص القرآني الذي سمح بتعدد دلالات بعض آياته. إن حكمة الله سبحانه وتعالى في أن يُنزل كتابا يحكم هذا العدد من العقليات والثقافات والعادات والمشاعر المختلفة لا بد أن تكون بعض آياته -وليس كلها- متعددة الدلالات؛ لتجد كل حضارة -من حيث زمانها ومكانها- ما يناسبها من التفسير من غير فوضى ولا تعارض مع عقيدة التوحيد أو كليات الشريعة ومقاصدها (لاحظ عدم اختلاف التيار المعتدل في المذهبين في هذه المساحة)، وإنما الخلاف في مساحة الفكر الناتجة عن تعدد دلالات بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي إذا لم يجعلها الله تعالى بحكمته متعددة لما خرج الإسلام خارج الجزيرة العربية على أقصى تقدير.
نحن لا نبغي أنسنة النصوص الإلهية بإحالتها إلى المتلقي -كمذاهب النقد الأدبي الحديث-، ولا تطويعها، ولا ليّ أعناقها لحل مشاكل وقتية، والوصول لأهداف قريبة؛ فدعاة الله يربئون بأنفسهم عن هذا التفكير البراجماتي حتى وإن كان الهدف نبيلا؛ فلا يُعبد الله إلا بما شرع الله. ولكن ما نبغيه هو استلهام عبقرية هذه النصوص وديناميكيتها في فهم الواقع والتعامل معه. إذن فوجود المذهبين ليس في حد ذاته فوضى أو فُرقة للأمة.. بل بالعكس هو إثبات لعبقريتها، وإنما الفُرقة في إنكار وتكفير بعضها بعضا؛ مما أدى بنا إلى ما نحن فيه.
2-والآفة الأخرى التي نتفرد بها أيضا عن العالمين هي هذا الرباط غير المقدس الذي يربط حاضرنا بماضينا! فالأمم كلها تسير ووجهها للأمام، ونحن نهوى السير بظهورنا، ومن لا تكون عيناه على الطريق فلا يلومن إلا نفسه. وهنا سأكتفي بالتذكرة بهذه القصة الطريفة التي يعرفها الجميع:
حين قرر بابا الفاتيكان في ستينيات القرن الماضي أن يحكم ببراءة اليهود من دم المسيح! أي بعد أكثر من 1960 عاما. هناك دواعٍ تكتيكية أدت إلى هذا التغير المفاجئ في ترتيب الأولويات والإستراتيجيات.. فهل دواعينا الإيمانية ليست بالقوة الكافية لإحداث مثل هذا التغير، علما بأن علة النزاع لا ترتبط باغتيال نبي بل بانتخاب خليفة، حتى وإن اتخذ هذا الانتخاب أبعادًا عقدية؟!
من هنا نبدأ
يحضرني في هذا السياق مؤتمر عقد في بيروت في 9 يناير 2002 بعنوان "مؤتمر علماء الإسلام لدعم القدس"، وكان هناك 130 عالمًا ومسئول حركات إسلامية، كلهم تحدثوا عن إسلامية فلسطين والاستعداد للتضحية، وتحدثوا عن شارون وأمريكا ومثل هذا الكلام المعاد، إلا شخصًا واحدًا تحدث -كعهده دائمًا- بكلام مختلف؛ ألا وهو السيد حسين فضل الله؛ فقد تحدث عن اتحاد المذهبين، وخطورة ما أسماه بالتثقيف المذهبي. وتعجب الجميع من عدم مناسبة حديث السيد فضل الله عن المذهبية في جمع مخصص للانتفاضة والقدس، وظن الجميع أن السيد قد خرج عن سياق الحديث وشطح بعيدًا عن المناسبة، ولكن الواقع هو أن جميع المتحدثين هم الذين شطحوا إلا هو؛ فكان هو الوحيد الذي تلمس مواضع الخلل، وعرف أنه من هنا نبدأ إذا أردنا تحرير الأرض وعودة الهيبة إلى الإسلام.
إن اتحاد المذهبين لا يعني ذوبانهما؛ لأنه من ينتظر التذويب وإزالة الفروق ليس فقط سيقضي عمره في انتظار ما لا يتحقق! فهذا هو الأمر الواقع، ولكن أيضًا يساهم في تدمير أروع ما في هذه الأمة من تنوع فكري فريد.
المخرج من الأزمة
إن الأمل في انفراجة الأزمة التاريخية يكمن ليس في الساسة أو نخبة المثقفين.. بل يكمن في علماء الدين وقادة الحركات الإسلامية ومراجع التقليد، الذين يتبعهم ويتلمس خطاهم المليار من أبناء المذهبين. فليحرص كل واحد منهم على أن يربي أتباعه على أن صحة مذهبنا لا تعني فساد مذهب الآخرين، وأن فهمنا للنصوص لا يلغي فهم الآخرين. وليعمل كل واحد منهم على الخروج بأتباعه من سجن التاريخ، وأن يعلمهم كيف يتعاملون مع الماضي، ويحتفظون لأنفسهم بمسافة كافية بينهم وبين الماضي؛ حتى يتسنى لهم رؤية أوضح وأكمل لـه.
هذا ما نادى به مرارًا الشيخ الكبير د. يوسف القرضاوي في العديد من الكتب؛ حيث نادى بعدم الحفر وراء ما أهيل عليه التراب (ودعواه هذه هي التي أطلقت عليه سماسرة التكفير وأصحاب الغلو من الطرفين)، إن إهالة التراب لا تعني اقتلاع الجذور، ولا تمييع الثوابت، ولكن فقط تعني هذه العملية الواعية التي تهدف إلى تسليط الضوء على المشترك وتجاهل أسباب الخلاف.
على هؤلاء العلماء وأصحاب الفتوى أيضًا أن يعملوا على مراجعة فتاواهم، وتوخي الحذر فيما يقولون؛ فليس من المعقول أن أجد في أحد المواقع من يستفتي شيخًا على إمكانية توصيل الزكاة إلى مجاهدي المقاومة اللبنانية ذات المذهب الشيعي؛ فيفتي لـه بأنه لا يحل التصدق عليهم ولا أكل ذبائحهم!! ولا يصح أن أقرأ في أحد مواقع الفتوى الشيعية التي سئل فيها السيد الذي يكنّ لـه المسلمون والعرب أجمع حبًا جارفًا واحترامًا، هو أهل لـه: هل يجوز زواج الشيعي من فتاة سنية بغير إذن وليها (المخالف) -أي خطيفة-؟ فتكون إجابة السيد بالجواز! كما لو كانت أعراض "المخالفين" مستباحة، وحتى التعبير عن أهل السنة بـ"المخالف" شيء جارح، ويساهم به من حيث لا يشعر في بناء حاجز نفسي يصعب هدمه. ولعل التعبير بـ"المختلف" أرحم، وغير هذا الكثير من الفتاوى التي لا تراعى فيها مشاعر الآخر المذهبي.
وفى النهاية الخطب جلل، والحاجز النفسي قد ارتفع لعلو شاهق، والكل مقتنع بضرورة هدمه، ولكن الأمر يحتاج إلى أكثر من القناعة والأماني وتوصيات المؤتمرات وحوارات الحضارات؛ الأمر يحتاج إلى إخلاص النوايا قبل كل شيء، ثم خطة عمل وآليات تنفيذ ليست من الساسة ولا النخب.. بل من الخطاب الديني الثوري المستنير من الجانبين، الذي يحتكر الساحة الآن. وعلى الكل أن يعرف أن الوقت لم يعُد في صالحنا؛ فها هي الأساطيل قد أحاطت بشواطئنا؛ فإما أن نساير ركب الاتحاد والقوة وإما أن نستسلم للطوفان القادم. وعلى التيار التقليدي الرجعي من الناحتين أن يعلم أنه إما أن يكون معنا وإما أن يتقي الله ويلزم الصمت، ويعلم أن للتكفير قواعد أبعدنا الله عن طائلتها.
كلامك غير دقيق يا دكتورة
نظام بشار العلوي النصيري لا يؤمن بالعروبة اصلا
دي انظمة عايشة على نكسات الامة
أدعو الجميع اليوم ليقرا مقال سعد الدين ابراهيم المنشور بالدستور حول زيارته للسيد حسن نصر الله وتفسيرات نصر الله للمساندة السورية الايرانية له .
لعلنا نفهم شئ
الاسم: عمر لبيب
